ابن كثير
21
البداية والنهاية
وفيها توفيت : الست عذراء بنت شاهنشاه ابن أيوب ، ودفنت بمدرستها داخل باب النصر ، والست خاتون والدة الملك العادل ، ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه . ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة فيها جمعت الفرنج جموعها وأقبلوا فحاصروا تبنين ، فاستدعى العادل بني أخيه لقتالهم ، فجاءه العزيز من مصر ، والأفضل من صرخند ( 1 ) ، فأقلعت الفرنج عن الحصن وبلغهم موت ملك الألمان فطلبوا من العادل الهدنة والأمان ، فهادنهم ورجعت الملوك إلى أماكنها ، وقد عظم المعظم عيسى بن العادل في هذه المرة ، واستنابه أبوه على دمشق ، وسار إلى ملكه بالجزيرة ، فأحسن فيهم السيرة ، وكان قد توفي في هذه السنة السلطان صاحب سنجار وغيرها من المدائن الكبار ، وهو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي ، كان من خيار الملوك وأحسنهم شكلا وسيرة ، وأجودهم طوية وسريرة ، غير أنه كان يبخل ، وكان شديد المحبة للعلماء ، ولا سيما الحنفية ، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار ، وشرط لهم طعاما يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم ، وهذا نظر حسن ، والفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير ، لاشتغال الفقيه بتكراره ومطالعته عن الفكر فيما يقيته ، فعدى على أولاده ابن عمه صاحب الموصل ، فأخذ الملك منهم ، فاستغاث بنوه بالملك العادل ، فرد فيهم الملك ودرأ عنهم الضيم ، واستقرت بالمملكة لولده قطب الدين محمد ، ثم سار الملك إلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان ، فاستولى على ريفها ومعاملتها ، وأعجزته قلعتها ، فطاف عليها ومشى ، وما ظن أحد أنه تملكها ، لان ذلك لم يكن مثبوتا ولا مقدارا . وفيها ملكت الخزر مدينة بلخ وكسروا الخطأ وقهروهم ، وأرسل الخليفة إليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق ، فإنه كان يروم أن يخطب له ببغداد . وفيها حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة ، وقد كانت امتنعت عليه دهرا ونصرهم الخطأ ، فقهرهم جميعا وأخذها عنوة ، وعفا عن أهلها وصفح ، وقد كانوا ألبسوا كلبا أعور قباء وسموه خوارزم شاه ، ورموه في المنجنيق إلى الخوارزمية ، وقالوا هذا مالكم ، وكان خوارزم شاه أعور ، فلما قدر عليهم عفا عنهم ، جزاه الله خيرا .
--> ( 1 ) في ابن الأثير ، وابن خلدون 5 / 330 : صرخد ، وفي تاريخ الحروب الصليبية : صلخد .